د. سيتا غيميري
باحث رئيسي - عالم أمراض النبات، مركز بيكا التابع للمعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية (BecA-ILRI)
المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية
يُعتَبر معدل إنتاج الثروة الحيوانية في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا هو الأقل من بين جميع المناطق حول العالم، ولعل هذا يرجع إلى مجموعة من العوامل الرئيسية المسؤولة عن هذا الانخفاض والتي تشمل على سبيل المثال محدودية الموارد، والتوافر الموسمي المحدود للمراعي، وتدني جودة الأعلاف المستخدمة لا سيما الأعلاف المحلية ومخلفات المحاصيل. وقد أثرت جميع هذه العوامل سلباً على نواتج التحسين الوراثي وأدت إلى زيادة الحاجة إلى الخدمات البيطرية. فالأعلاف المحلية غالبًا ما يكون لها قدرة إنتاجية منخفضة، وتحتوي على قيم غذائية محدودة ونسبة عالية من الآفات والأمراض (مثل مرض تفحم علف الفيل وأمراض التقزم) كما أنها تَكُون عرضة للجفاف وغير ذلك من المؤثرات الحيوية وغير الحيوية. علاوة على ذلك، يؤدي نقص كميات الأعلاف وانخفاض جودتها إلى ارتفاع تكلفتها مما يؤثر على إنتاجية الثروة الحيوانية ويقلل دخل صغار مربي الماشية.
إن توفير أعلاف عالية الجودة للمواشي هو أمر ضروري لضمان حصولها على التغذية السليمة المتكاملة وتمتعها بصحة جيدة بما يؤثر إيجابًا على إنتاجيتها، ويسهم في خفض تكاليف الإنتاج وتحسين الدخل من الثروة الحيوانية، ويحقق إنتاج حيواني مستدام. لقد أسهمت عمليات تحسين الأعلاف – أفريقية المنشأ– في إحداث نقلة في نظام الإنتاج الحيواني في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية لينتقل بالإنتاج من مستوى الكفاف إلى تداوله تجاريًا على نطاق واسع. فعلى سبيل المثال، نجد أن عشب البراكياريا هو العامل المسؤول عن نجاح صناعات لحوم الأبقار في أمريكا الجنوبية، ولا سيما البرازيل، حيث تتغذى الأبقار المنتشرة في مراعٍ مساحتها 99 مليون هكتار على عشب البراكياريا. تتميز المستنبتات المُحسَنة من عشب البراكياريا بقدرتها على تحقيق زيادة في الإنتاج أو الكتلة الحيوية، وارتفاع في القيم الغذائية، ومقاومة عالية للتأثيرات الحيوية وغير الحيوية بما في ذلك الجفاف والآفات والأمراض. إضافة إلى قيمته الزراعية هذه، يتميز عشب البراكياريا بالعديد من السمات الصديقة للبيئة تتمثل في قدرته على سحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي إلى التربة، وزيادة كفاءة الاستفادة من المواد الغذائية، والحد من تآكل التربة، وتحسين خصوبتها. إن المزايا العديدة التي يوفرها عشب البراكياريا وما أحدثه من نقلة في نظام الإنتاج الحيواني في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا في ظل الظروف المناخية المتغيرة التي تشهدها هو ما دفع المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية (ILRI) إلى إطلاق برنامج "عشب البراكياريا الذكي مناخيًا" في عام 2012 بالتعاون مع جهاز البحوث الزراعية الوطنية (NARS)، وعدد من المنظمات الدولية وشركاء التنمية، حيث نجح البرنامج في تحديد المستنبتات المُحسَنة من عشب البراكياريا المناسبة للبيئات الزراعية المختلفة في منطقة الصحراء الكبرى في أفريقيا، وعرَضَ للمزايا والفوائد الإنتاجية التي يحققها كل منها للثروة الحيوانية (على سبيل المثال زيادة بنسبة 15-40% في إنتاج الحليب وأكثر من 50 % زيادة في وزن الماشية)، فضلًا عن تطويره بعض الطرق التي تسهم في تحسين إنتاج عشب البراكياريا والاستفادة منه وتوفير أعلاف عالية الجودة في موسم الجفاف.
تعاون المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية مع جهاز البحوث الزراعية الوطنية، وعدد من المنظمات غير الحكومية، والمنظمات التنموية في العديد من البلدان في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا لتعزيز استخدام المستنبتات الأربعة المُحَسَنة من عشبة البراكياريا بريزنطية (Brachiaria brizantha) المتمثلة في مستنبت إم جي فور (MG4) ومستنبت بِيَاتا (Piata) ومستنبت شارايز (Xaraes) ومستنبت بازيليسق (Basilisk)، وتشجيع صناعة التبن من عشب البراكياريا، وتطوير تقنيات لزيادة الغصينات النابتة من الجذر في النباتات. عادت هذه التقنيات على كثير من المزارعين الذين استخدموها بالنفع حيث أسهمت في توفير الأعلاف عالية الجودة، وتحسين صحة وإنتاجية المواشي، وهو ما تبعه زيادة في الدخل وتحسن في سبل كسب العيش. يبلغ عدد الأسر التي استفادت من هذه التقنيات حتى الآن أكثر من 40.000 أسرة من 20 دولة في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، كما أن إمكانية إنتاج وبيع التبن والغصينات النابتة من الجذر أتاح خيارًا تجاريًا أمام شباب ونساء الريف كمصدر لإدرار الدخل. حاليًا، يشير الواقع أن العلف المستخلص من عشب البراكياريا هو الخيار المفضل لمربي المواشي في بلدان منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.